ملتقى الحريات فلسطين.

شكّلت الثورات الشعبية التي حدثت وتحدث في العالم العربي وباتت ما يُعرف بالربيع العربي منعطفا سياسيا واجتماعيا جديدا شهدته وستشهده المنطقة في الأعوام القريبة القادمة. هذه الثورات لها مسوغاتها ومبرراتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية وهي لا تحدث بمعزل عن بعضها البعض، بل هناك تأثيرات لكل منها على الآخر بفعل العديد من العوامل الذاتية والموضوعية.

إن المنطقة العربية ما زالت تشهد مخاضا لا يمكن التكهن بمستقبله على صعيد أهمية وتأثير هذه الثورات على منطقة الشرق الأوسط وعلى السياسة العالمية وتجليات الأحداث على علاقة تلك الدول مع العالم من جهة، وكذلك شكل تعامل الدول الغربية مع نتائج الأحداث والثورات التي لاتزال مستمرة في بعض الدول العربية من جهة أخرى، ولكن ما يهمنا هنا هو مدى نجاح هذه الثورات في الوصول إلى نظم ديمقراطية، حيث أن النظم الديمقراطية التي تحترم حقوق الأفراد وسيادة القانون والحريات تحتاج إلى إرادة مجتمعية وسياسية مرتبطة بطبيعة القوى التي ستصل إلى مقاليد الحكم في بلدان الربيع العربي، حيث أن ما شهدته بعض بلدان الربيع العربي كمصر وتونس وليبيا واليمن أثبت أن بناء النظم الديمقراطية التي تحترم الحقوق والحريات والتعددية سيواجه صعوبات وتحديات لأن بناء دولة تحترم الحقوق والحريات هي عملية مضنية وإن عملية بناء مؤسسات فعالة للحكم الرشيد ومحاكم مستقلة وتشكيل وحدات سياسية محترفة وتدريب المسؤولين الحكوميين على حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون هي من المهام الضرورية لكي لا تصبح الثورات طريقا يعود بنا إلى القمع والاستبداد تحت مسميات جديدة، وهي من الأولويات التي يجب أن تتطلع بها دول الربيع العربي خاصة مع بدء تلك الدول في وضع صياغات لدساتير جديدة والتي أثارت الكثير من الجدل والنقاش في داخل تلك المجتمعات حول الصياغات والنصوص التي تضمنتها والتي تحتاج إلى موائمة أكثر لمتطلبات المرحلة والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان بشكل لا يهدد حقوق الأقليات الدينية والجنسية والسياسية وحقوق المرأة وغيرها، إذ أن هناك الكثير من الثغرات الخطيرة في بعض الوثائق والنصوص الدستورية الجديدة التي قد تؤدي إلى مشكلات مع مرور الزمن في تلك المجتمعات، حيث أن تلك الحقوق ما زالت في حالة غير مستقرة وثابتة لأن الطرف المنتصر في الانتخابات يحاول أن يفرض رؤيته على الواقع الاجتماعي والسياسي.

إن ما يمكن قوله هنا أن المنطقة ستعاني من تجاذبات وتباينات بين القوى السياسية والاجتماعية المختلفة فكريا وأيدولوجيا خاصة أن قوى الأغلبية التي وصلت إلى مقاليد الحكم في تلك البلدان لم تراعي مبدأ أن حكم الأغلبية المطلق ليس بالحكم الديمقراطي، هذا ما يتطلب من القوى الديمقراطية في تلك البلدان العمل الجاد والجدي من أجل بناء تحالفات لحماية الثورات ومنجزات الجماهير وقواها الثورية لتعزيز النظم الديمقراطية ومنع احتكار السلطة، إذ أثبت الواقع أن الدولة المدنية الديمقراطية تأتي من خلال دساتير متوافق عليها وتحترم حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بما يضمن عدم عودة تلك المجتمعات إلى الماضي المظلم.

ولعل الوقوف عند أسباب هذه الثورات يساعدنا في فهم أثر تلك الثورات على واقع الحريات وحقوق الإنسان في فلسطين وذلك للارتباط الوثيق بين أسباب تلك الثورات والواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في فلسطين ولعلنا في ملتقى الحريات فلسطين امتلكنا الرؤية والتحليل لذلك الواقع الإقليمي والمحلي انطلاقا من الخطة الاستراتيجية للأعوام 2011-2013 والتي أخذت بتلك الأبعاد والأسباب والعوامل عند صياغة تلك الخطة، إدراكا من الملتقى بأهمية دوره المجتمعي على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإن وضع الملتقى رؤيته ورسالته في قلب حماية الحريات وحقوق الإنسان والدفاع عنهما في فلسطين ليشكّل جزء لا يتجزأ من الحركة العالمية والإقليمية المدافعة عن حقوق الإنسان الأساسية، والمنادية بمجتمع ديمقراطي تعددي. حيث أن ملتقى الحريات كان من أوائل المؤسسات التي طرحت موضوع الدولة المدنية الديمقراطية كأولوية واستراتيجية في بوتقة العمل الوطني وباعتبارها ضرورة وطنية واجتماعية وسياسية وصيرورة تاريخية تستند بالضرورة على دستور عصري، لا سيما أن الصراع بين السلطة المكانية والزمانية والفصل بين الدين والدولة ما زال قائما في مجتمعاتنا وإن العمل على تعزيز المبادئ والقيم المستندة إلى حقوق الانسان والحريات والنضال من أجلها هي في مقدمات عملنا وهي نقطة الارتكاز للاستقرار السياسي والاجتماعي لأي بلد وهي الأساس في حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، حيث أن هذا الطرح الاستراتيجي أثبت صوابيته بفعل الأحداث والعوامل التاريخية التي شهدتها فلسطين والمنطقة إذ أننا ما زلنا نعاني آثار الانقسام السياسي الأيدولوجي على واقع الحريات وحقوق الإنسان في فلسطين.

إن فلسطين مثلها في ذلك مثل دول المنطقة والعالم الذي ما زال يعاني تبعات التباينات والاختلافات الأيدولوجية والفكرية والعقائدية التي لا تؤمن بقيم الديمقراطية والتعددية والتسامح وقبول الآخر، هذا ما يجعل من الوثيقة الاستراتيجية للملتقى للأعوام 2014-2016 تأخذ بهذه المقدمات لتكون بوصلة علمها وعنوان أهدافها ونشاطاتها في المرحلة القادمة، ومما لا شك فيه أن إعلان المصالحة الوطنية وإنهاء حالة الانقسام التي عانينا منها على مدار الأعوام الثمانية الماضية يشكل محورا رئيسا ودافعا أساسيا لتمكيننا من تطبيق خطتنا الإستراتيجية للأعوام القادمة.

إن العودة إلى أسباب ودوافع الربيع العربي تساعد في فهم تلك الأحداث الكبرى على الواقع الفلسطيني بتجلياته وأبعاده المختلفة، لا سيما واقع حقوق الإنسان والحريات وذلك بفعل التداخل بين الذاتي والموضوعي والتشابك والتعقيد في الواقع الفلسطيني في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية والإقليمية والدولية، حيث أن لمقدمات الربيع العربي تأثيراتها الواضحة المباشرة وغير المباشرة على الواقع الفلسطيني بسبب التشابك والتماثل في الكثير من الظروف والعوامل التاريخية.

هذا التماثل يحدد آليات عملنا في ملتقى الحريات للسنوات الثلاث القادمة، حيث أننا في فلسطين نعاني من واقع سياسي واقتصادي واجتماعي شبيه بما عاشته وتعيشه المنطقة حيث أن المقدمات الاقتصادية والاجتماعية سواء التخلف الاقتصادي والاجتماعي النابع عن النظم الاجتماعية التقليدية التي صبغت أنظمة الحكم المستبدة خلال العقود الماضية وتراجع مفهوم الدولة الحديثة ووظائفها في أقطار الربيع العربي لتستبدل مفاهيم العشيرة والعائلة في إدارة الدولة، إضافة للقيم الدينية المتطرفة التي سيطرت على المنطقة خلال العقدين الماضيين والتي حكمت السياق التاريخي والاجتماعي في المنطقة، وغياب التنمية وازدياد معدلات البطالة التي شكّلت بمجملها عوامل للأحداث التي ما زالت آثارها وتداعياتها ماثلة أمامنا، كذلك العوامل السياسية التي تمثلت بالأنظمة القمعية والاستبدادية التي سيطرت على معظم دول المنطقة والتي تجمعها مظاهر الاستبداد بالسلطة ورفض التداول السلمي لها وقمع حرية الرأي والتعبير والإعلام والصحافة، حيث كان غياب مظاهر التداول السلمي للسلطة أحد أهم عوامل الاحتقان في تلك المجتمعات خاصة في مصر وتونس وليبيا وغيرها، رغم محاولة هذه الأنظمة عمل إصلاحات شكلية على أنظمتها السياسية فيما يتعلق بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في أواخر أعوام 2010 و2011، إلا أن القيود التي فرضت من قبل تلك الأنظمة على الانتخابات جعلت منها عملية غير ديمقراطية ولم تأت بجديد على صعيد التعددية أو المشاركة السياسية بل أنتجت حالة من عدم الرضا إذ بيّنت نتائج الانتخابات إعادة لنظام الحكم القائم، في حين حصلت الأحزاب السياسية المشاركة على نتائج متواضعة.

إن الحريات السياسية وحرية الصحافة والإعلام كانت تحت تهديد الحكم السلطوي والمستبد في المنطقة وما زالت هذه الحالة ماثلة أمامنا وهذا ما يتبين من اعتقال للصحافيين وقمع التظاهرات، حيث أن وضع الحريات في جميع أنحاء الشرق الأوسط شكّل الحالة الأسوأ ما قبل عام 2011 في مختلف دول الربيع العربي والمنطقة، الأمر الذي جعل العديد من مؤسسات حقوق الإنسان الدولية تطالب بضرورة تحسين ملفات حقوق الإنسان في تلك البلدان، إضافة لحالات الاختفاء القسري والقمع والتعذيب التي مارستها تلك الأنظمة بحق المعارضين السياسيين، كل هذه العوامل شكّلت الأسباب الداخلية للربيع العربي.

ولكن ما يهمنا هنا هو تأثير تلك العوامل على الواقع الفلسطيني وتحديد آليات عملنا واستراتيجياتنا في ملتقى الحريات للعام 2016 في ظل هذا المحيط المتلاطم الأمواج إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الواقع الفلسطيني استنادا إلى الأسباب والعوامل المماثلة في المحيط الإقليمي، حيث ما زالت آثار الانقسام، وإن تم الإعلان رسميا عن إنهائها، ملقية بظلالها على الواقع والمشهد الفلسطيني بأبعاده وتداعياته المختلفة، إذ أن الواقع يثبت بضرورة الأخذ بالمقدمات التي سقناها في بداية مقدمتنا هذه لنعلم كيف أن الانقسام ساهم بشكل كبير في تردي أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث أن الواقع الفلسطيني في كثير من جوانبه يماثل ويشابه الواقع العربي خاصة بعد دخولنا في مرحلة الانقسام والتنازع والتنافس على السلطة بعد العام 2007، مما يجعل من العوامل السياسية كأحد أهم مقدمات ومسببات الربيع العربي هي في أولى الأسباب التي تسهم في تراجع واقع الحريات وحقوق الإنسان في فلسطين، إذ شكّلت مرحلة الانقسام تعطل للحياة وللمسار الديمقراطي في فلسطين إضافة للشلل في المؤسسة التشريعية وانقسام في بنى وهياكل النظام السياسي القائم، كذلك بروز حالة جديدة من الاختلاف والتباين على طبيعة النظام السياسي والمؤسسات المشكّلة لهذا النظام، وشكّل هذا الاختلاف عقدة أخرى في مسار الحريات وحقوق الإنسان وسيادة القانون لدخول الاعتبارات الحزبية لطرفي الانقسام على مسارح الأحداث المرتبطة بحقوق الإنسان والحريات العامة والفردية، حيث أقدم طرفي الانقسام على سلب المواطن الفلسطيني حقه في اختيار ممثليه عبر الانتخابات التي تعطلت بفعل الانقسام لاعتبارات أطرافه، حيث ما زالت الانتخابات الرئاسية والتشريعية متعطلة على الرغم من إعلان إنهاء حالة الانقسام وبانتظار ما ينتج عن حكومة التوافق التي تم تشكيلها والتي تعتبر الانتخابات التشريعية والرئاسية على سلم أولويات مهامها.

إن هذا الواقع يتطلب منا نحن في ملتقى الحريات فلسطين العمل من أجل ترسيخ القيم الديمقراطية التي أساسها الانتخابات والتعددية السياسية ونظام حكم ديمقراطي يستند إلى دستور يأخذ بالقيم الليبرالية ويرسخ مفهوم المواطنة والدولة المدنية الديمقراطية ولننجز نحن في فلسطين دستورنا لكي لا نقع في شرك الأحداث والتجاذبات القائمة في عالمنا العربي، حيث يبرز الدستور كأحد أهم استحقاقات ومتطلبات عملنا بما يحمله من حقوق وواجبات للفرد والمجتمع تُحمى وتُصان فيه الحقوق والحريات العامة والفردية باعتبارها أهم القيم التي نعمل عليها نحن في ملتقى الحريات في فلسطين.

ولما كان الواقع الاقتصادي والاجتماعي للشعوب العربية من أسباب ثورات الربيع العربي، فإن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في فلسطين ليس بأفضل من ذلك، وإن الحراك الاجتماعي الذي حصل في أواخر عام 2012 ضد موجة غلاء الأسعار وتردي الأوضاع المعيشية للمواطن الفلسطيني يبيّن أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي والحقوق الاقتصادية والاجتماعية هي من أهم العوامل التي تستدعي تسليط الضوء عليها، حيث أن الرئيس محمود عبّاس ومن الدوحة قال أن الربيع الفلسطيني قد بدأ، وفي حينها كانت التحركات الجماهيرية في مدن وقرى ومخيمات الوطن تهدد النظام السياسي الفلسطيني، حيث أن موجات الغضب وردات الفعل طالت المؤسسات العامة والخاصة على حد سواء وهذا دليل واضح على أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات الفلسطينية المتعاقبة منذ قيام السلطة لم تراعي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن الفلسطيني ولم توازي بين متطلبات الحياة وغلاء المعيشة ومستوى الدخل للفرد والأسرة الفلسطينية، حيث انتشرت البطالة والفقر والفروقات الاجتماعية وبرزت ظاهرة البطالة بين الخريجين والهجرة خارج الوطن بحثا عن العمل حيث وصلت البطالة إلى نسب مرتفعة وحسب إحصائية مركز الإحصاء الفلسطيني في الربع الأخير من العام 2013 فقد وصل العدد إلى أكثر من 120,000 عاطل عن العمل في الضفة وغزة وبنسبة تتراوح من 35-45% بين مختلف الأعمار والفئات، وما يزيد الأمر سوءا هو النسبة المخيفة للبطالة في صفوف فئة الشباب 19-29 سنة والتي بلغت في منتصف العام 2014 إلى ما يزيد عن 50%، الأمر الذي يدلل بشكل واضح على واقع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي عكست بنفسها على الاقتصاد الكلي، الأمر الذي ينذر بانهيار السلطة الوطنية الفلسطينية بفعل تلك العوامل الداخلية والعوامل الخارجية المرتبطة بتلكؤ المانحين بدفع التزاماتهم للسلطة من جهة، وإجراءات الاحتلال بالقرصنة على أموال المقاصة الفلسطينية من جهة أخرى، إضافة لغياب السياسات التنموية والتشريعات والقوانين التي تراعي الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية في ظل بروز الاحتكارات وهيمنة جهات من القطاع الخاص على مفاصل الاقتصاد الفلسطيني دونما أن تقوم بمسؤوليتها الاجتماعية.

إن الواقع الاقتصادي والاجتماعي يحتم علينا في ملتقى الحريات فلسطين العمل في برنامج الائتلاف الأهلي لدعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي بدأناه في أواخر العام 2011 ليبيّن أهمية وأولوية الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية، حيث أدركنا منذ اللحظة الأولى أهمية هذه الحقوق للمواطن الفلسطيني لتحسين نوع الحياة له ولتعزيز الاستقرار السياسي لنظامنا السياسي الذي يتطلب إيجاد البرامج التي تعطي الأولوية لهذه الحقوق في السياسات المخطط لها من قبل الحكومة والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إذ يبيّن ذلك أن ملتقى الحريات بادر بطرح القضايا ذات الأولوية لحرية وكرامة الإنسان الفلسطيني باعتبار أن القيم الليبرالية التي نؤمن بها هي التي تقارب بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية التي تتطلب منا وضعها في سلم أولويات استراتيجيتنا للأعوام 2014-2016 إذا ما أخذنا مقدمات الربيع العربي بعين الاعتبار.

خلاصة:

ولما كان الربيع العربي مقدمة لإحداث التغيير الشامل في منظومة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في النظام الإقليمي ليشكّل حالة دافعة لنا في فلسطين لاستثمار هذه اللحظة التاريخية لإحداث تغيير مماثل في واقعنا الفلسطيني، إذ أن على ملتقى الحريات فلسطين أن يعزز دوره باستخدام مختلف الآليات والوسائل الإبداعية التي اتبعتها ثورات الربيع العربي لحماية الحريات والدفاع عنها انطلاقا من رؤية استراتيجية ترتكز على القيم والمبادئ الديمقراطية بمفهومها الاجتماعي المعاصر للتأسيس لنظام سياسي ديمقراطي تعددي ودستور عصري يحمي مجتمعنا الفلسطيني من التأثيرات التي يمكن أن تخترق منظومة الفعل الثوري في بلدان الربيع العربي، كبروز التيارات الإسلامية المتطرفة التي تحاول أن تفرض رؤيتها وفكرها على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة، وإدراكا منا نحن في ملتقى الحريات فلسطين للترابط الوثيق والتلازم المنطقي والتاريخي للأحداث الجارية وتأثرنا المباشر وغير المباشر فيها يجعلنا في مقدمة الفاعلين والعاملين لحماية مجتمعنا من الدخول في أتون صراع أيدلوجي فكري على مقومات النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي في فلسطين من خلال تعظيم الإيجابيات وتقليل السلبيات المحتملة لإفرازات الربيع العربي على الواقع الفلسطيني.

وتأتي الحريات وقيم العدالة وثقافة حقوق الإنسان في مقدمة السياق المحدق بالمخاطر ما لم يتم صيانتها وحمايتها في إطار النظام السياسي القائم على أسس الحرية والعدالة التي نتطلع نحن في ملتقى الحريات للمساهمة في صياغاتها في إطار أهدافنا ورؤيتنا السياسية والمؤسساتية، حيث أن ملتقى الحريات فلسطين يمتلك توجها سياسيا اقتصاديا اجتماعيا يحمل في طياته نموذجا فريدا في المنطقة يدعمه في ذلك حلفاؤه الليبراليين الذين يخوضون صراع على هوية الدولة ووظيفتها في محيطنا الإقليمي، الأمر الذي يستدعي معرفة تأثيرات الواقع الإقليمي والدولي علينا بأبعاده وتداعياته المختلفة لوضع الخطط والآليات المناسبة والأكثر فعالية لكي لا ندخل في نفق الصراع على شكل النظام السياسي ونجعل أنفسنا جسرا للتغيير السلمي الديمقراطي الذي لا يترك آثارا في جسد المجتمع ولا يهدد سلمه الأهلي وتماسكه الاجتماعي وتحوله الديمقراطي الطبيعي في سياق تاريخي يتناغم مع تطور تاريخنا وحاضرنا الديمقراطي من خلال النموذج الفلسطيني في الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية منذ العام 1996 و2005 و2012 التي يمكن اعتبارها التجربة المثال والعامل الأساس في حماية الحريات وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة.

هنا يجد ملتقى الحريات نفسه أمام تحديات كبيرة تستوجب إدراك طبيعة الدور المنوط به خلال السنوات القادمة في ظل الواقع السياسي المليء بالتجاذبات والتباينات الداخلية والإقليمية والدولية ولكن وبعد أن تراكمت الأحداث وتكاملت العوامل الذاتية والموضوعية للملتقى وبعد أن استطاع الملتقى استكمال برامجه ونشاطاته وبنائه المؤسسي فلنكن مطمئنين إلى قدرتنا على اجتياز المرحلة القادمة بكل جدية واقتدار للنهوض بمجتمع ديمقراطي تعددي قائم على احترام حقوق الانسان ومشاركا في النظام السياسي الفلسطيني بكل مفاعيله وتفاعلاته.